· استقرار الوضع الداخلي
قطع قطز أطماع
المماليك في الحكم عن طريق توحيدهم خلف هدف واحد، وهو وقف زحف التتار ومواجهتهم.
اليوم بعد تولى
الملك المظفر سيف الدين قطز، وَلِى الوزراء زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع بن يزيد
بن الزبير، وصُرف تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز، فبلغ ذلك الأمراء فقدموا
إلى قلعة الجبل، وأنكروا ما كان من قَبْض قطزعلى الملك المنصور، وتوثبه على
المُلْك. فخافهم واعتذر إليهم بحركة التتار إلى جهة الشام ومصر، والتخوف مع هذا من
الملك الناصر صاحب دمشق.
فقام بجمع
الأمراء وكبار القادة وكبار العلماء وأصحاب الرأي في مصر، وقال لهم في وضوح :
"وإني ما قصدت (أي ما قصدت
من السيطرة على الحكم) إلا أن نجتمع على قتال التتار، ولا يتأتى ذلك بغير ملك،
فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم، أقيموا في السلطة من شئتم".
·
التصالح مع المماليك البحرية
كان هناك خلاف
كبير بين المماليك البحرية وبين المماليك المعزية، عندما قتل سيف
الدين قطز بالتدبير مع السلطان المعز ومن ورائه زوجته، قتل فارس الدين أقطاي اتابك الدولة
(وزير الحرب) ووالي الإسكندرية،و زعيم المماليك البحرية سنة 652 هـ،الامر الذي جعل
الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري يفر الي الشام مقتنعابانه كان الهدف التالي
لمؤامرة شجر الدر مع زوجها السلطان المعز ونائبه قطز ثم بدأ الخلاف يتفاق متدريجياً
إلى أن وصل إلى الذروة بعد مقتل الملك المعزعز الدين أيبكبواسطة شجر الدر
التي دفعتها الغيرة الزوجية لذلك عندما علمت (بيبرس) بأن السلطان إصطفي له جارية من
الحريم ثم قتل قطز لشجر الدر في 16 نيسان
أبريل 1257 م.
ووصل الأمر إلى
أن معظم المماليك البحرية ـ وعلى رأسهم القائد ركن الدين بيبرس ـ فروا من مصر
إلى مختلف إمارات الشام، ومنهم من شجع أمراء الشام على غزو مصر مثلما فعل بيبرس مع
ملك دمشق الناصر يوسف وملك الكرك والشوبك المغيث عمر.
فلما اعتلى قطز عرش مصر قبل الصلح مع بيبرس، سير
بيبرس إلى الملك المظفر علاء الدين طيبرس الوزيرى ليحلِّفه، فكتب إليه الملك
المظفر أن يقدم عليه. ووعده الوعود الجميلة. ففارق بيبرس الناصرية. هذا الرسل لقطز
كي يتحدا للتصديلجيوش المغول التي كانت قد دخلت دمشق آسرة الناصر يوسف ملكه.
استقبل قطز
المماليك الفارين استقبالاً لائقاً، كما استقدم ركن الدين بيبرس، فلما قدم
بيبرس إلى مصر في الثاني
والعشرين من ربيع الأول، عظّم قطز من
شأنه جداً فأكرمه الملك
المظفّر واحترمه، وأنزله دار الوزارة، وأقطعه "قليوب" وما حولها من
القرى، وعامله كأمير من الأمراء المقدَّمين، بل وجعله على مقدمة الجيوش وقيّه في
معركة عين جالوت على حرب التتار.
·
التوحد مع الممالك المحيطة بمصر
كانت العلاقات
مع إمارات الشام الأيوبية متوترة جداً، وقد فكروا أكثر من مرة في غزو مصر، ونقضوا الحلف الذي كان بين مصر والشام أيام
الصالح أيوب، واستقطبوا المماليك البحرية عندهم عندما
فروا من مصر، بل إن الناصر يوسف الأيوبي أمير دمشق وحلب كان قد طلب من
التتار بعد سقوط بغداد أن يعاونوه في
غزو مصر.
سعى قطز إلى
الوحدة مع الشام، أو على الأقل تحييد أمراء الشام، فيخلوا بينه وبين التتار دون أن
يتعاونوا مع التتار ضده. فأرسل قطز رسالة إلى الناصر يوسف الأيوبي يعرض عليه
الوحدة، على أن يكون الناصر يوسف الأيوبي هو ملك مصر والشام، فإن تشكك الملك
الناصر الأيوبي في نية قطز فيستطيع قطز أن يمده بالقوات للمساعدة في قتال التتار
كما ترك قطز للملك الناصر اختيار قائد الجيش المصري الذي يذهب لنجدته في الشام.
كما قال الملك المظفر سيف الدين قطز :
"وإن اخترتنى خدمتك، وإن اخترت
قدمت ومن معى من العسكر نجدة لك على القادم عليك، فإن كنت لا تأمن حضورى سيرت إليك
العساكر صحبة من تختاره"
ولكن
الناصر الأيوبي رفض ذلك فسقطت كل من حلب
(Aleppo) ودمشق بسبب خوفا شديدا فالدخول على طاعة التتار. وفر
الملك الناصر الأيوبي إلى فلسطين وبعد ذلك انضم
إلى قطز جيش الناصر بقيادة بيبرس، فازدادت بذلك قوة الجيش المصري.
راسل قطز بقية
أمراء الشام، فاستجاب له الأمير "المنصور" صاحب حماة، وجاء من حماة
ومعه بعض جيشه للإلتحاق بجيش قطز في مصر.
فأما المغيث عمر صاحب الكرك، وبدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل الذي فقد فضلا
الحلف مع المغول والخيانة. وأما الأخير وهو
الملك السعيد حسن بن عبد العزيز صاحب بانياس فقد رفض التعاون
مع قطز هو الآخر رفضاً قاطعاً، بل انضم بجيشه إلى قوات التتار ليساعدهم في محاربة
المسلمين.
·
حل الأزمة الاقتصادية
اقترح قطز أن
تفرض على الناس ضرائب لدعم الجيش،
وهذا قرار يحتاج إلى فتوى شرعية، لأن
المسلمين في دولة الإسلام لا يدفعون سوى الزكاة، ولا يدفعها
إلا القادر عليها، وبشروط الزكاة المعروفة، أما فرض الضرائب فوق الزكاة فهذا لا
يكون إلا في ظروف خاصة جداً، ولابدّ من وجود سند شرعي يبيح ذلك.
"إذا
طرق العدوّ البلاد وَجَبَ على العالم كلّهم قتالُهُم ، وجاز أن يؤخذ من الرّعيَّة
ما يُستعان به على جهادهم ، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء ، وأن تبيعوا ما لكم
من الحوائص والآلات ، ويقتصر كلٌّ منكم على فرسه وسلاحه ، ويتساووا في ذلك هو
والعامَّة . وأمّا أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجُنْد من الأموال
والآلات الفاخرة فلا ."
قبل قطز كلام
الشيخ العز بن عبد السلام، وبدأ بنفسه،
فباع كل ما يملك، وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك، فانصاع الجميع، وتم تجهيز
الجيش كله.
·
عند وصول رسل التتار
بينما كان قطز
يعد الجيش والشعب للقاء التتار وصل رسل هولاكو يحملون رسالة
تهديد لقطز جاء فيها:
"مِن ملك الملوك شرقاً وغرباً، الخان الأعظم، باسمك اللهم باسط
الأرض ورافع السماء. يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار
المصرية وما حولها ومن الأعمال، إنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه وسلّطنا
على من حل به غضبه، فلكم بجميع البلاد معتَبَر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم،
وأسلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا ويعود عليكم الخطأ. وقد سمعتم
أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب
وعلينا الطلب. فأي أرض تأويكم؟ وأي طريق تنجيكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من
سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق،
وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا
تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمع. فمن طلب حربنا ندم، ومن قصد أماننا سلم، فإن أنتم
لشرطنا ولأمرنا أطعتم، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم هلكتم. فلا تهلكوا
نفوسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر. فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا برد الجواب قبل أن
تضرب الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منا جاهاً ولا عزاً ولا كافياً
ولا حرزاً، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية، فقد أنصفناكم إذ
راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذّرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم"
جمع قطز القادة
والمستشارين وأطلعهم على الرسالة، وكان من رأي بعض القادة الأستسلام للتتار وتجنب
ويلات الحرب. كان رأي أغلب الأمراء يميل لللمهادنة، إلا أن قطز توكل على الله
سبحانه تعالى ووقف موقفا حاسما فإما حياة بعزة، ونصر للإسلام، وإما شهادة يفوز
بها فيعذر.
فما كان من قطز إلا أن قال :
"أنا ألقى التتار بنفسي.. يا
أمراء المسلمين، لكم زمان تأكلون من بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه،
فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، وإن الله مطلع عليه،
وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين (عن القتال)".
فتحمس
القواد والأمراء لرؤيتهم قائدهم يقرر الخروج لمحاربة التتار بنفسه، بدلاً من أن
يرسل جيشاً ويبقى هو.
ثم وقف يخاطب الأمراء وهو يبكي ويقول:
"يا أمراء المسلمين، من للإسلام إن لم
نكن نحن"
فقام الأمراء
يعلنون موافقتهم على الجهاد، وعلى مواجهة التتار مهما كان الثمن.
يوم
الأحد رابععشر شعبان : قام قطز بقطع أعناق الرسل الذين أرسلهم
إليه هولاكو بالرسالة
التهديدية، وعلّق رءوسهم في الريدانية في القاهرة.
يوم
الإثنين خامس عشر شعبان :ابقي علي ليحمل الأجساد لهولاكو.
وأُرسل الرسل في الديار المصرية تنادى بالجهاد في سبيل الله ووجوبه وفضائله.
وكان العز بن عبد السلام ينادى في الناس
بنفسه فهب نفر كثير ليكونوا قلب وميسرة جيش المسلمين أما القوات النظامية من
المماليك فكونت الميمنة وأختبأت بقيتها خلف التلال لتحسم المعركة.
·
في أرض المعركة
وكان شروع المصريين في الخروج إلى
التّتار في نصف شعبان.
نعم إن المجال
مجال الجهاد، فلا سلطن ولا أمر ولا نهي، لكن العقيدة والإيمان هما المحركان
والمؤثران وكان لهذه الكلمات فعل السحر في نفوس المماليك فتدافعوا جميعا ولم يتخلف
منهم أحد، وأراد قطز أن يهاجم المغول وألا ينتظر حتى يهاجموه فخرج من مصر بجيشه
وسار إلى سهل قرب عين جالوت في شرق فلسطين وكان الظاهر بيبرس قد سار في المقدمة،
فالتقى بمقدمة جيش المغول، وفي الساعة المحددة التحم الجيشان جيش قوي منتصر ومندفع
وجيش ينتمي لأمة منهزمة مكلومة، ولكن عزة الإسلام وأثر العقيدة قد تحركت في النفوس
فتبلغت على عوامل الضعف، وطبق المسلمون خطة حربية محكمة، استعمل فيها الخدعة
وأوقعوا بالمغول، وأبلى المماليك بلاء حسنا.
كانت الحرب
ضارية.أخرج التتار فيها كل إمكانياتهم، وظهر تفوق الميمنة التترية التي كانت تضغط
على الجناح الأيسر للقوات الإسلامية، وبدأت القوات الإسلامية تتراجع تحت الضغط
الرهيب للتتار، وبدأ التتار يخترقون الميسرة الإسلامية، وبدأ الشهداء يسقطون، ولو
أكمل التتار اختراقهم للميسرة فسيلتفون حول الجيش المسلم.
كان قطز يقف في
مكان عال خلف الصفوف يراقب الموقف بكامله، ويوجه فِرَق الجيش إلى سد الثغرات،
ويخطط لكل كبيرة وصغيرة، وشاهد قطز المعاناة التي تعيشها ميسرة المسلمين، فدفع
إليها بآخر الفرق النظاميه من خلف التلال، ولكن الضغط التتري استمر.
فما كان من قطز
إلا أن نزل ساحة القتال بنفسه؛ وذلك لتثبيت الجنود ورفع روحهم المعنوية، ألقى
بخوذته على الأرض تعبيرًا عن اشتياقه للشهادة، وعدم خوفه من الموت، وأطلق صيحته
الشهيرة:"وا
إسلاماه".
وكان قطز
يحمسهم ويصيح وا إسلاماه وا إسلاماه ويسجد لله ويغفر وجهه في التراب،
ويدعوه ويقول :
"يا الله انصر عبدك قطز"،
وقاتل قطز مع
الجيش المسلم قتالاً شديدًا، حتى صوب أحد التتار سهمه نحو قطز فأخطأه ولكنه أصاب الفرس الذي كان يركب
عليه قطز فقُتل الفرسُ من ساعتهوقال له :
"في سبيل الله يا رفيقى العزيز"،
فترجل قطز على
الأرض، وقاتل ماشياً لا خيل له. ورآه أحد الأمراء المماليك وهو يقاتل ماشيًا، فجاء
إليه مسرعًا، وتنازل له عن فرسه، إلا أن قطز امتنع، وقال:
"ما كنت لأحرم المسلمين
نفعك!!"
وظل يقاتل ماشياً إلى أن أتوه بفرس من الخيول
الاحتياطية.
وقد لامه بعض الأمراء على هذا الموقف وقالوا له:
" لمَ لمْ تركب فرس فلان؟
فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك، وهلك الإسلام بسببك."
فقال قطز:
"أما أنا كنت أروح إلى الجنة،
وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، وقد قتل فلان وفلان وفلان حتى عد خلقاً من الملوك
(مثل عمر وعثمان وعلي م)
فأقام الله للإسلام من يحفظه غيرهم، ولم يضع الإسلام"
شهر
رمضان 658 ھ: وانزل نصره
على المسلمين، وهزم المغول لأول مرة أمام المسلمين، ووقعوا بين قتيل وأسير، وأسر
قائدهم ثم قتل. لقد تمخضت هذه المعركة عن نتائج حاسمة على الأمة الإسلامية، بل على
العالم أجمع فلقد طهرت أكثر بلاد المسلمين من المغول، وأصبح المسلمون في موقع
المنتصر المؤثر فبدأ دخول المغول في الإسلام، وأوقفت هذه المعركة المد الغربي الذي كان يستهدف بقية بلاد المسلمين ومن ثم العالم أجمع.
وهكذا سجل هذا
القائد المسلم (المظفر قطز) نصرا للأمة الإسلامية وانتشلها من الضعف والانهيار إلي
القوة والنصر وكانما يزال شابا يافعا، ليضرب بذالك مثلا لشباب المسلمين ولأمة
الإسلام أن النصر دائما معهم إن هم وفوا بشروطه وأهمها الالتفاف حول عقيدة
الإسلام.
المراجع:
1) الإِسلام وَوفَيَات المشاهِير
والأَعلام، للحافظ المؤرّخ شمس الدّين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ،المتوفى سنة
748 ه : تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري.
2) السلوك لمعرفة دول الملوك، لتقي الدين
أبي العباس أحمد بن علي بن عبد القادر العبدي المقريزي، المتوفى سنة 845ھ
: تحقيق محمد عبد القادر عطا، الجزء الأول.
3) من معارك المسلمين في رمضان، للدكتور
عبد العزيز بن راشد العبيدي.
4) معارك فاصلة في التاريخ الإسلامي،
لسهيل إبراهيم عيساوي.
5) أطلس التاريخ العربي الإسلامي، للدكتور
ثوقي أبو خليل.
6) مجلة الأمة، العدد التاسع، رمضان 1401 ھ،
الدكتور عماد الدين خليل ،
7) ويكيبيديا، الموسوعة
الحرة، بعنوان : قطز و معركة عين جالوت.